العهد القديم في المصادر الإسلامية
TL;DR
يبيّن النصُّ أنّ القرآن يعترف صراحةً بالوحي السابق مثل التوراة والزبور، وأنّ المسلمين يرون أنفسهم جزءًا من تاريخٍ نبويٍّ أطول. وبدلًا من الحديث عن «العهد القديم»، يعمل التقليد الإسلامي بمصطلحاتٍ مثل التوراة والزبور والإسرائيليات، يشير كلٌّ منها إلى مدخلٍ مختلفٍ إلى الكتب اليهودية والمسيحية. وتظهر التوراة على وجه الخصوص في القرآن بوصفها كتابًا فيه «هدى ونور»، يستند إلى كتابٍ سماويٍّ أصلي ويصلح لاتخاذ القرارات الشرعية. وفي الوقت نفسه يوضّح البحث وحالةُ المصادر أنّ مصطلح «التوراة» في القرآن كثيرًا ما يكون أوسع من أسفار موسى الخمسة وحدها، ويشمل كذلك رواياتٍ يهوديةً أخرى. وأخيرًا تُظهر الإسرائيليات وشخصياتُ الرواة من القُصّاص مدى عمقِ تدفّق التقاليد السردية اليهودية والمسيحية إلى التفسير والوعظ والتديّن الشعبي في الإسلام المبكر. وهكذا يتبيّن أنّ الإسلام والتقاليد المرتبطة بالعهد القديم ظلّا على مدى قرونٍ في تبادلٍ كثيف.
استمرارية الوحي في القرآن
في القرآن وفي التقاليد العقدية المنبثقة عنه، تؤدّي فكرةُ استمرارية «الوحي» دورًا مركزيًّا. ويظهر تاريخُ الأنبياء بوصفه سلسلةً مترابطةً من الرسالات الإلهية، يرتبط فيها كلُّ «وحيٍ» جديدٍ بما سبقه فيؤكّده أو يصحّحه، لكنه لا ينشأ من العدم. وهكذا يتّضح أنّ القرآن لا يفهم نفسه بوصفه بدايةً معزولة، بل بوصفه امتدادًا لتاريخٍ أطول.
وتُعدّ رسالةُ الأنبياء السابقين في ذلك جزءًا أصيلًا من التقليد الخاص. ويوضّح القرآن في مواضع عديدة أنّ كتب الأنبياء السابقين معترَفٌ بها بوصفها جزءًا من الوحي الإلهي. ومن الأمثلة المهمّة على ذلك آيةُ القرآن 3:841:
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
تؤكّد هذه الآيةُ أنّ إيمان المسلمين يشمل صراحةً أيضًا «الوحي» المنسوب إلى إبراهيم وموسى وداود وعيسى وغيرهم. والحاسم هو صيغةُ عدم التفريق «بين أحدٍ منهم»: وهذا لا يعني هنا أنّ جميع الرسالات متطابقة، بل أنّها كلَّها صادرةٌ عن المصدر نفسه، ومن ثَمّ فهي متساويةٌ في أصلها. وبهذا تُوضَع الجماعةُ المسلمة في سلسلةٍ طويلةٍ من متلقّي «الرسالة الإلهية».
ومن هذا المنظور لا يرى المسلمون أنفسهم جماعةً جديدةً كلَّ الجِدّة تقطع مع كلّ ما سبق، بل جزءًا من تاريخٍ أطول ومتعدّد الطبقات. وبذلك فإنّ العلاقة بالكتب السابقة ليست تاريخيةً فحسب، بل ذاتَ دلالةٍ لاهوتيةٍ أيضًا: فمن يأخذ القرآن على محمل الجِدّ عليه أن يتعامل أيضًا مع التقاليد التي تتجذّر فيها التوراةُ والزبورُ وغيرُهما من الكتب. وعند هذه النقطة بالذات يصبح السؤال مهمًّا: بأيّ مصطلحاتٍ يُسمَّى ما يدعوه المسيحيون «العهد القديم».
مصطلحاتٌ بدلًا من «العهد القديم»: التوراة والزبور والإسرائيليات
من غير المعتاد في التقاليد الإسلامية الحديثُ عن «عهدٍ قديم». فهذه التسمية نابعةٌ من أفقٍ تأويليٍّ مسيحي، يُقرأ فيه العهدُ «الجديد» بوصفه إتمامًا للعهد «القديم» أو تجاوزًا له. وبدلًا من ذلك يعمل المسلمون بتسمياتٍ محدّدةٍ تُسمّي كتبًا بعينها أو مجموعاتٍ من المواد، فتصف على نحوٍ أدقّ ما يدور حوله الأمرُ في كلّ حالة.
وهنا تبرز ثلاثةُ مصطلحاتٍ على وجه الخصوص. فبكلمة «التوراة» يُشار إلى الكتاب الذي يُقال إنّه أُوحي إلى موسى، والذي يُماهَى غالبًا بالتوراة، أي بأسفار موسى الخمسة. ويُطلَق اسم «الزبور» على المزامير المنسوبة إلى داود، التي يذكرها القرآن أيضًا بوصفها «كتاب وحي». وأخيرًا يشير مصطلح «الإسرائيليات» إلى الحكايات والروايات ذات الأصل اليهودي، ثمّ المسيحي لاحقًا، التي دخلت في أنواعٍ نصّيةٍ إسلاميةٍ مختلفة.2 وتشير المصطلحاتُ الثلاثة جميعها إلى مداخلَ مختلفةٍ إلى ما نعرفه اليوم باسم «العهد القديم» وتأويلِه.
ووصفُ «قديم» قد يكون مضلِّلًا في التصوّر الذاتي اليهودي كما في التصوّر القرآني. ففي اليهودية لا يُعدّ ما يدعوه المسيحيون «العهد القديم» أمرًا قد نُسخ، بل كتابًا لا يزال ساري المفعول. كذلك لا يتحدّث القرآن عن كتابٍ «قديمٍ» يُستبدَل به شيءٌ جديدٌ كلَّ الجِدّة. إنّه ينتقد تأويلاتٍ أو ممارساتٍ معيّنة، لكنه يعترف بـ«الأصل الإلهي» الأصلي لهذه الكتب.
والمصطلحاتُ القرآنية المتمايزة تُظهر اعترافًا بجوانبَ مختلفةٍ من التقاليد اليهودية. فمن يريد أن يفهم كيف يتصوّر المسلمون كتبَ العهد القديم ويقرؤونها، عليه إذن أن ينظر بدقّةٍ أكبر فيما يُقصد في كلّ حالةٍ بـ«التوراة» و«الزبور» و«الإسرائيليات». وفي ما يلي تقف التوراةُ أولًا في المركز.
التوراة في القرآن
يذكر القرآن كتابين يمكن أن يُنسبا بوضوحٍ إلى ما يسمّيه المسيحيون «العهد القديم»: التوراة والزبور. غير أنّ «التوراة» في القرآن ليست مصطلحًا واضحًا تمامَ الوضوح. فكثيرًا ما يُقصد بها على ما يبدو التوراةُ بالمعنى الضيّق، لكن يُقصد بها أحيانًا، على الأرجح، أكثرُ من أسفار موسى الخمسة وحدها. وهذا الغموض بالذات هو ما يجعل القراءة الدقيقة للآيات ذات الصلة مثيرةً للاهتمام.
ومن الأمثلة البالغة الأهمية المقطعُ القرآني 5:43–45. ففي 5:43 نقرأ:
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾3
تُصوَّر التوراةُ هنا بوصفها كتابًا «فيه حكم الله». وهذا يعني أنّها تُعدّ مقياسًا للقرارات العادلة، ومعيارًا ينبغي أن يهتدي به العملُ القضائي. والآية 5:44 تعمّق هذه الصورة مرّةً أخرى:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ…﴾4
تتّضح هنا عدّةُ جوانب. أولًا، تُوصَف «التوراة» بوصفها كتابَ وحيٍ «أنزله الله». ثانيًا، إنّها تحوي «هدى ونورًا»، أي توجيهًا وإنارةً للإرادة الإلهية. ثالثًا، إنّها تخدم بوصفها أساسًا للقضاء: فالأنبياء والربّانيون والأحبار يحكمون «للذين هادوا» بمقتضى ما اؤتُمنوا عليه من هذا الكتاب. وبهذا تظهر التوراةُ بوصفها أداةً عمليةً لتنظيم الحياة المشتركة.
ويلخّص الباحثُ في الدراسات الإسلامية نيكولاي سيناي هذه الملاحظات بأنّ القرآن في 5:43–45 يصوّر «التوراة» بوصفها كتابَ وحيٍ إلهيٍّ يستند إلى كتابٍ سماويٍّ أصلي، ويصلح على وجه الخصوص للتطبيق الشرعي.5 وفي 5:45 يتجسّد هذا عبر اقتباسٍ مباشرٍ لمبدأ القصاص («النفس بالنفس، والعين بالعين»). وهذا المبدأ ينصّ على المجازاة، لكنه يفسح في الوقت نفسه مجالًا للتنازل لصالح المصالحة والتكفير. وهكذا يعطي القرآن انطباعًا بأنّ التوراة تعرف الشدّة والرحمة معًا.
ومن المنظور القرآني، فإنّ «التوراة» إذن ليست كتابًا متقادمًا ولا كتابًا فاسدًا من حيث المبدأ. فهي تظلّ — في صورتها الأصلية — حاملةً للهدى والنور. غير أنّ السؤال عن مدى اتّساع مصطلح «التوراة» وعن النصوص التي يُقصد بها على وجه التحديد لم تتمّ الإجابة عنه بعد. وهذا السؤال بالذات يُناقَش بكثافةٍ في البحث العلمي.
نطاق مصطلح «التوراة»
فهم أغلبُ العلماء من «التوراة» ما يُسمّى في التقليد اليهودي «توراة»، أي أسفار موسى الخمسة. غير أنّ القراءة الأدقّ للمواضع القرآنية ولتأويلها اللاحق توحي بأنّ المصطلح في القرآن كثيرًا ما يكون أوسع. وهنا ينطلق نقاشُ البحث الحديث الذي يقارن بين عروضٍ تأويليةٍ مختلفة.
ويشير العالمُ هارتفيش هيرشفيلد في عمله Beiträge zur Erklärung des Ḳorân إلى أنّ «التوراة» في القرآن ربّما لا تشمل أسفار موسى الخمسة فحسب، بل تشمل أيضًا أجزاءً أخرى من الكتابات اليهودية، مثل المشناة والتلمود والمدراش.6 ومن وجهة نظره، تعكس بعضُ التلميحات القرآنية تأويلاتٍ لاحقةً أكثرَ مما تعكس النصَّ الكتابيَّ الأساسي.
ويتبنّى محسن جودرزي موقفًا آخر، يقتبسه سيناي على نحوٍ تلخيصي.7 يقترح جودرزي أن يُفهم مصطلح «التوراة» في بعض المواضع لا بوصفه تسميةً لكتابٍ محدّد المعالم، بل بالأحرى بوصفه مصطلحًا جامعًا لمجمل التعاليم النبوية لبني إسرائيل. وما يسمّيه القرآن «توراة» قد يعني تبعًا لذلك طبقةً كاملةً من النصوص والروايات، التي هي من المنظور اليهودي كتابيةٌ جزئيًّا وغيرُ كتابيةٍ (لاحقةٌ على الكتاب) جزئيًّا.
ومما يدعم ذلك، من بين أمورٍ أخرى، أنّه ليست كلُّ التحويرات أو التلميحات إلى «تعاليم التوراة» التي يذكرها القرآن توجد فعلًا في نصّ التوراة. فكثيرٌ من هذه المضامين لا يظهر إلّا في مجموعة المصادر اليهودية الأوسع، مثل التعليقات والتأويلات الربّانية التي ليست جزءًا من القانون الكتابي.8 وحين يلتقط القرآن مثل هذه العناصر، يصعب رسمُ الحدّ بين «التوراة» بالمعنى الضيّق والتأويلِ اللاحق.
يُضاف إلى ذلك أنّ القرآن يعالج على ما يبدو طائفةً واسعةً من المصادر اليهودية — سواءٌ أكانت قانونيةً، أي من الكتب المنتمية إلى التناخ، أم منحولةً غيرَ قانونية. ويذكّر سيناي بأنّ الفهم القرآني للتوراة مرتبطٌ على الأرجح ارتباطًا وثيقًا بالسؤال كيف عرف مخاطَبو محمد الكتبَ اليهودية أصلًا. فالكثيرون منهم قد استمدّوا تصوّرهم من الرواية الشفهية أكثرَ مما استمدّوه من دراسةٍ نصّيةٍ متعمّقة.9 وهكذا يصبح مفهومًا لماذا لا يُرسَم الحدُّ بين «التوراة» و«سائر الكتابات اليهودية» رسمًا حادًّا في القرآن.
الزبور في القرآن
إلى جانب التوراة، يذكر القرآن أيضًا الزبور بوصفه كتابَ وحي. وهو يُنسب إلى النبيّ داود، ومن ثَمّ يُدرَج بوضوحٍ في سلسلة أولئك الذين تلقّوا «رسالةً إلهية». وبذلك لا يُبرز القرآن داود بوصفه نبيًّا فحسب، بل يعترف في الوقت نفسه بالزبور بوصفه جزءًا من «الوحي الإلهي» الموجَّه إلى البشرية.
ويقتبس القرآن مزمورًا اقتباسًا حرفيًّا مرّةً واحدةً فقط، وذلك في القرآن 21:105:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾10
وتُحال الإشارةُ هنا إلى المزمور 37، وعلى وجه الخصوص إلى الآيات 9–11 و29 و34، التي يُتحدَّث فيها عن الصالحين الذين يرثون الأرض.11 والصياغةُ القرآنية تجمع هذه الموتيفات وتؤوّلها في ضوء سياق التبليغ الخاص. وبذلك يُمَدّ جسرٌ مباشرٌ بين التقليد الكتابي والرسالة القرآنية.
غير أنّ للزبور في القرآن، مقارنةً بالتوراة، دورًا ثانويًّا إلى حدٍّ ما. فهو وإن كان يُذكر بوصفه «كتاب وحيٍ» مستقلًّا، فإنّه أقلُّ اندماجًا في الحجاج الشرعي أو السردي. ووظيفته تكميليةٌ بالأحرى: فهو يثبت استمرارية «الوحي» ويعزّز التصوّر القائل بأنّ الله «تكلّم» في أزمنةٍ وأممٍ مختلفةٍ وبصورٍ مختلفة.
ورغم هذا الدور المتحفّظ، يُعدّ الزبور في اللاهوت الإسلامي جزءًا مما ينبغي للمسلمين الإيمانُ به مبدئيًّا. فهو من «الكتب الإلهية» المعترَف بها في الإيمان، وإن كان حضوره في الممارسة أقلَّ بكثيرٍ من القرآن أو التوراة. ولهذا بالذات يجدر النظرُ في مداخلَ أخرى دخلت عبرها موادُّ من العهد القديم إلى الإسلام.
الإسرائيليات: التقاليد السردية اليهودية والمسيحية في الإسلام
إلى جانب القرآن، يؤدّي مصدرٌ آخرُ دورًا مهمًّا في العلاقة بالعهد القديم: ما يُسمّى بالإسرائيليات. وهذا المصطلح، الذي يعني حرفيًّا شيئًا من قبيل «الروايات الإسرائيلية» أو «التقاليد الإسرائيلية»، يشير إلى كمٍّ كبيرٍ من الأقوال والحكايات والروايات ذات الأصل اليهودي، وكذلك المسيحي، التي أُخذت إلى الإسلام المبكر.12
وتوجد الإسرائيليات في أنواعٍ أدبيةٍ مختلفة، مثل تفسير القرآن، أي تأويلِه، وفي أدب الحديث، وفي السيرة النبوية، وفي النوع الأدبي المتمثّل في قصص الأنبياء. وعبر هذه السبل تدفّقت موتيفاتٌ وصورٌ وتأويلاتٌ يهوديةٌ ومسيحيةٌ عديدةٌ إلى التأويل والتقليد السردي الإسلامي.
ويرى مئير ميخائيل بار-آشر أنّ العلماء المسلمين عمّقوا، بعد بضعة أجيالٍ من تدوين القرآن، معرفتهم بالعهد القديم وبالمصادر الربّانية تعميقًا واضحًا. وعلى هذا الأساس نشأ أدبٌ تفسيريٌّ ثريٌّ عالج كثيرًا من التفاصيل الكتابية وما بعد الكتابية. وقد استُعين في قصص الأنبياء، من بين أمورٍ أخرى، بكثيرٍ من المدراشيم،13 التي جرى تداولها بعد ذلك تحت المصطلح الجامع «الإسرائيليات».14
وبذلك يتّضح أنّ العهد القديم وتأويله لا يَرِدان في الإسلام بوصفهما مرجعًا تجريديًّا فحسب، بل هما حاضران حضورًا ملموسًا جدًّا في صورة حكاياتٍ وموتيفاتٍ وتأويلات. وتشكّل الإسرائيلياتُ نوعًا من جسرٍ تتدفّق عبره التقاليدُ اليهودية والمسيحية إلى عمليات التأويل الإسلامية. غير أنّ وظيفتها على وجه الدقّة ينبغي النظرُ إليها على نحوٍ متمايز.
وظيفة الإسرائيليات في التأويلات الإسلامية
الإسرائيلياتُ مهمّةٌ على وجه الخصوص لأنّها تساعد على سدّ ثغراتٍ في الحكايات القرآنية. فكثيرٌ من القصص في القرآن — مثل قصص آدم ونوح وإبراهيم وموسى أو يوسف — تُروى على نحوٍ موجزٍ نسبيًّا، غالبًا من دون أسماءٍ للشخصيات الثانوية، ولا ترتيبٍ زمني، ولا تعليلاتٍ مفصّلةٍ للدوافع. وهنا تقدّم الإسرائيلياتُ معلوماتٍ إضافيةً وزخارفَ وخلفياتٍ تجعل الحكايات أكثرَ وضوحًا وأيسرَ فهمًا للمستمعين.
غير أنّ الإسرائيليات تحمل معها في الوقت نفسه مشكلاتٍ أيضًا. أولًا، نادرًا ما يُذكر أصلُها على وجه الدقّة في المصادر الإسلامية. فحين يستهلّ تفسيرٌ ما حكايةً بعبارة «وجدتُه في التوراة» أو «مكتوبٌ في الكتب»، فإنّ هذا لا يعني تلقائيًّا أنّ المصدر هو العهدُ القديم بالمعنى الضيّق. فكثيرًا ما يمكن أن يُقصد بذلك أيضًا نصوصٌ لاحقةٌ على الكتاب، مثل التلمود أو المدراش أو كتاباتٍ أخرى.15
ثانيًا، الحكاياتُ نفسها في الغالب ليست مأخوذةً ببساطة، بل مُكيَّفةً ومُعادًا صوغُها. فكما أنّ الحلقات المرتبطة بالعهد القديم لا تُترجَم في القرآن ترجمةً حرفية، بل تُحوَّر أو يُعاد تأويلها أو يُعاد ترتيبها، كذلك جرى التصرّفُ في الإسرائيليات تصرّفًا إبداعيًّا في النصوص الإسلامية. وهذا يجعل من الصعب تحديدَ الهيئة النصّية الأصلية على وجه الدقّة، ويصعّب نسبتها نسبةً واضحةً إلى مصادرَ يهوديةٍ أو مسيحيةٍ بعينها.
ويؤكّد بار-آشر أنّ كلًّا من اليهود المتحوّلين إلى الإسلام والعلماءِ المسلمين الذين كانوا على تبادلٍ مكثّفٍ مع زملائهم اليهود والمسيحيين أدّوا دورًا حاسمًا في نقل هذه المواد. وتؤرّخ كتبُ التاريخ الإسلامية نشأةَ تقليد الإسرائيليات ومنهجتَه تقريبًا في الفترة الواقعة بين أواخر القرن السابع والقرن الثامن.16 وبذلك تنتمي إلى الطور التكويني للإسلام المبكر. وعلى العموم تُظهر الإسرائيلياتُ مدى تشابكِ التراث المرتبط بالعهد القديم والتأويلِ الربّاني واللاهوتاتِ الإسلامية المبكرة. وهي توضّح أنّ التعامل مع العهد القديم في الإسلام لم يجرِ على نحوٍ «نظريٍّ نصّي» فحسب، بل جرى أيضًا على نحوٍ سرديٍّ وعمليٍّ ملموس.
دور القُصّاص: الرواة والوعّاظ
من بين الفئات الخاصة التي نقلت الإسرائيليات ما يُسمّى بالقُصّاص (المفرد: قاصّ). والكلمة تعني حرفيًّا «راوٍ» أو «قاصَّ قصصٍ»، وهي تشير منذ البداية إلى مهمّتهم المركزية: فقد كانوا يروون القصص ويؤوّلونها دينيًّا، فيجعلون بذلك الموادَّ المعقّدة في متناول جمهورٍ واسع.17
وهؤلاء الوعّاظ والرواة، الذين لم يكن نادرًا أن تستخدمهم الطبقة الحاكمة أيضًا لترسيخ سردياتٍ معيّنة، أسهموا إسهامًا جوهريًّا في نشر «المعرفة الدينية» وشرحها وربطها بحياة الناس اليومية. فكثيرٌ من المؤمنين لم يكن لهم منفذٌ مباشرٌ إلى المصادر المكتوبة، بل تعرّفوا إلى قصص الأنبياء والجماعات السابقة من خلال سماع مثل هذه الروايات.
وكانت المهمّةُ الرئيسة للقُصّاص تتمثّل في رواية قصصٍ أخلاقيةٍ ذاتِ عبرة. وكان الأساسُ قصصَ الأنبياء وأساطيرَ دينيةً أخرى وطائفةً واسعةً من التقاليد الدينية المحلية. وكثيرٌ من هذه المواد كان ذا أصلٍ يهوديٍّ أو مسيحي، وقد أُدمج في أطرٍ تأويليةٍ إسلامية. وهكذا نشأت حكاياتٌ بدت مألوفةً للمستمعين لأنّها كانت ترجع إلى موتيفاتٍ معروفة.
ولم تكن قصصُ القُصّاص ذاتَ قيمةٍ ترفيهيةٍ فحسب. فقد كانت تنقل عِبَرًا أخلاقية، وتصوغ تحذيرات، وتقدّم نماذجَ إيجابيةً ينبغي الاقتداء بسلوكها. ويبيّن إسماعيل ألبيراك أنّ الموضوعات المرتبطة بالعهد القديم، الكتابيةَ وما بعد الكتابية، كثيرًا ما كانت تُحوَّر في هذه الحكايات أو يُعاد تأويلها أو تُصاغ صياغةً أكثرَ تفصيلًا.18 وهكذا نما تقليدٌ سرديٌّ مشترك، يكون فيه العهدُ القديم وتأويلُه لبنةً مهمّة، وإن لم تكن دائمًا قابلةً للتمييز بوضوح.
وعلى هذه الخلفية يمكن القول: إنّ علاقة الإسلام بالعهد القديم لا تنحصر في أقوالٍ عَقَديةٍ عن الكتب السابقة. بل إنّها تُعاش في قصصٍ ومواعظَ وتأويلات، تُجمَع فيها التوراةُ والزبورُ والإسرائيلياتُ وتقاليدُ أخرى في حوارٍ بعضِها مع بعض. ومن يأخذ هذه التشابكات على محمل الجِدّ يحصل على صورةٍ أكثرَ تعقيدًا بوضوحٍ للعلاقات بين التقاليد الإسلامية واليهودية.
Footnotes
-
Hans Zirker (Übers.), Der Koran, Darmstadt⁴ 2013, S. 48. ↩
-
الإسرائيليات: تسميةٌ جامعةٌ للمواد السردية اليهودية والمسيحية في النصوص الإسلامية. ↩
-
Zirker, Der Koran, S. 76 (zu Koran 5:43). ↩
-
Zirker, Der Koran, S. 76 (zu Koran 5:44–45). ↩
-
Nicolai Sinai, Key Terms of the Qur’an: A Critical Dictionary, Princeton 2023, S. 167. ↩
-
Hartwig Hirschfeld, Beiträge zur Erklärung des Ḳorân, Leipzig 1886, S. 65. ↩
-
Vgl. Sinai, Key Terms of the Qur’an, S. 168 (Zusammenfassung der Position von Mohsen Goudarzi). ↩
-
المقصود هي التعليقات والتأويلات الربّانية التي ليست جزءًا من القانون الكتابي. ↩
-
Vgl. Sinai, Key Terms of the Qur’an, S. 168. ↩
-
Lazarus Goldschmidt (Übers.), Der Koran, Berlin 1916, S. 328. ↩
-
Vgl. Mohammad Ali Amir-Moezzi / Guillaume Dye (Hg.), Le Coran des historiens, Bd. 2a, Paris 2019, S. 817. ↩
-
Vgl. Amir-Moezzi / Dye, Le Coran des historiens, Bd. 1, S. 311 f. ↩
-
المدراش: أدبُ التأويل الربّاني المتّصل بالعهد القديم. ↩
-
Vgl. Amir-Moezzi / Dye, Le Coran des historiens, Bd. 1, S. 312. ↩
-
يُقصد بـ«الكتب» في الغالب الكتاباتُ اليهودية اللاحقة على الكتاب المقدّس، مثل التلمود أو المدراش أو الأدب المتّصل بها. ↩
-
Vgl. Amir-Moezzi / Dye, Le Coran des historiens, Bd. 1, S. 312. ↩
-
القُصّاص: وعّاظٌ ورواةُ قصصٍ في الإسلام المبكر، نقلوا الموادَّ الدينية على نحوٍ شعبي. ↩
-
Vgl. Ismail Albayrak, Qur’anic Narrative and Isra’iliyyat in Western Scholarship and in Classical Exegesis, Leeds 2000, S. 122 f. ↩