Zum Inhalt springen

الزواج بين الأديان للمرأة المسلمة

دقيقة قراءة كلمة

رسمٌ توضيحيٌّ بألوانٍ باستيليّة عن الزواج بين الأديان
TL;DR

يعرض النصُّ مقاربتين لمسألة ما إذا كان يجوز للمسلمة أن تتزوّج غيرَ مسلم: مقاربةٌ تقليدية تفهم الأحكام السابقة بوصفها متعاليةً على الزمن ومُلزِمة، ومقاربةٌ تاريخيةٌ نقدية تقرأ هذه الأحكام في سياق نشأتها. ويبيّن أنّ القرآن وأحاديث النبيّ لا يقدّمان قولًا واضحًا في هذه الحالة المحدّدة، وأنّ التحريم لم يترسّخ إلّا عبر عمليات نقلٍ لاحقةٍ وعمليات سلطة. ويرى النصُّ أنّ الأسباب القديمة للتحريم — المكانةَ الاجتماعية، وفقدانَ الحقوق، والهرمياتِ الأبوية، والتصوّراتِ الإشكالية عن الجنسانية — لم تعد تلائم مجتمعاتِ اليوم التعدّدية القائمة على دولة القانون. ويؤكّد بدلًا من ذلك أنّ النكاح في جوهره عقد، يغطّيه الزواجُ المدني في ألمانيا قانونيًّا ووظيفيًّا. وفي الختام يدعو النصُّ إلى إعادة تقييم مسألة الزواج بين الأديان، وإلى أخذ تقرير المصير والمساواة على محمل الجِدّ، وإلى نقدٍ واضحٍ لآليات التحكّم الأبوية تجاه النساء المسلمات.

هل يجوز للمسلمة أن تتزوّج غيرَ مسلم؟ الأسبابُ التاريخية والسياقاتُ المعاصرة

في مسألة ما إذا كان يجوز للمسلمة أن تتزوّج غيرَ مسلم، تتقابل على وجه الإجمال مقاربتان لاهوتيتان. فالمقاربة التقليدية تنطلق من أنّ كثيرًا من الأحكام التي صاغها العلماء المسلمون في القرون الأولى صحيحةٌ دائمًا ولا تتغيّر، ولا سيّما إذا انعقد عليها إجماع. وهذه الأحكامُ يُفترَض أن تسري عندئذٍ في كلّ سياق، بصرف النظر عن التغيّرات الاجتماعية.

أمّا المقاربة التاريخية النقدية فتنطلق من موضعٍ مختلف. فهي تحلّل الأحكامَ وأصولَها في سياقها التاريخي، وتسأل عن العوامل التي أثّرت في هذه الأحكام: لا القناعاتِ اللاهوتية فحسب، بل أيضًا الظروفَ الثقافية والاجتماعية الاقتصادية والسياسية. ومن هذا المنظور تُفهَم الأحكامُ بوصفها إجاباتٍ عن أوضاعٍ محدّدة، لا قضايا متعاليةً على الزمن يجب أن تسري في كلّ السياقات على نحوٍ متطابق.

وإذا نظرنا في القرآن وأحاديث النبيّ، لم نجد قولًا قاطعًا في ما إذا كان يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوّج رجلًا غيرَ مسلمٍ أم لا. فالأحكامُ ذات الصلة كانت تاريخيًّا تخصّ حصرًا العلاقاتِ بين المسلمين ومشركي العرب، الذين كانت الجماعةُ المبكرة في نزاعاتٍ حربيةٍ معهم. ثمّ نُقلت هذه القواعدُ لاحقًا إلى أوضاعٍ أخرى، فنشأ من ذلك شيئًا فشيئًا الرأيُ الشائع بأنّه لا ينبغي للمسلمة أن تتزوّج غيرَ مسلم.

ومع مرور الوقت صار هذا الرأيُ من البداهة بحيث لم يعد يُساءَل عنه اليوم في كثيرٍ من الأوساط إلّا نادرًا. ولعلّ العلماء السابقين كانت لديهم أسبابٌ معقولةٌ في زمنهم. غير أنّي أرى أنّ هذه القواعد القديمة لم تعد تلائم وضعنا. ولذلك ينبغي إعادةُ النظر في تحريم الزواج بين المسلمة وغير المسلم.

مقاربتان: الإجماع التقليدي والتفكير التاريخي النقدي

تتّخذ المقاربةُ التقليدية الآراءَ الفقهية المبكرة معيارًا: فما قاله العلماء مرّةً يُعَدّ مُلزِمًا إذا قام عليه إجماع. وإذا اتّفق «الجميع» على أنّه لا يجوز للمسلمة أن تتزوّج غيرَ مسلم، فُهِم ذلك بوصفه قرارًا نهائيًّا. وضمن هذا المنطق بالكاد يمكن للمرء أن يسأل بجدّيةٍ عمّا إذا كان يجوز أن يتغيّر شيء.

أمّا المنظور التاريخي النقدي فيسلك مسلكًا آخر. فهو يسأل: في أيّ عالمٍ عاش هؤلاء العلماء. وكيف كانت العلاقاتُ بين الجنسين، والأنظمةُ القانونية، والبِنى السياسية، وموازينُ الأكثرية الدينية. وأيُّ مخاوفَ ومصالحَ وموازينِ سلطةٍ طبَعت قراراتِهم. وبذلك لا تُرفَض الأحكامُ رفضًا بسيطًا، لكنها تُؤرَّخ وتُفحَص فحصًا نقديًّا من حيث صلاحيتُها لليوم.

وإذا تبنّى المرءُ هذه النظرة، تغيّرت نبرةُ النقاش. فلا يعود السؤالُ مجرّدَ «هل يجوز لها أم لا يجوز؟»، بل يصبح: ما الأهدافُ التي ينبغي أن تكون للأحكام في مجتمعاتنا. وهل تخدم العدالةَ وكرامةَ الناس وحقَّهم في تقرير مصيرهم. أم إنّها تدافع قبل كلّ شيءٍ عن منظومة هويةٍ تتحكّم في أجسادٍ بعينها — ولا سيّما جسدِ «المرأة المسلمة».

الأسباب التاريخية للتحريم ومنطقُها

كانت هناك تاريخيًّا أسبابٌ كثيرةٌ لِما يجعل المرأةَ المسلمة لا ينبغي لها أن تتزوّج غيرَ مسلم. ومن النقاط المهمّة المكانةُ الاجتماعية. ففي مجتمعات ما قبل الحداثة كان «الدين» سمةً مركزيةً للهرميات. وفي المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة كان للمسلمين امتيازاتٌ أكثرُ من غير المسلمين. وكان يمكن أن يُقرأ الزواجُ بين مسلمةٍ وغير مسلمٍ بوصفه هبوطًا اجتماعيًّا، وتنزيلًا للرتبة داخل الجماعة.

والسببُ الثاني هو الاعترافُ داخل جماعة الشريك غير المسلم. ففي المسيحية كما في اليهودية — وفي تقاليدَ أخرى — كثيرًا ما كان الزواجُ خارج «الدين» نفسِه لا يُعترَف به. والمسلمةُ التي تتزوّج غيرَ مسلمٍ كان بإمكانها أن تتوقّع أن تلقى الرفضَ في جماعته. فزواجُها لا يكون عندئذٍ نافذًا هناك حقًّا، أو لا ينفذ إلّا إذا تخلّت عن انتمائها.

وثالثًا، كانت مسألةُ الحقوق مطروحة. فالمرأة المسلمة التي تتزوّج غيرَ مسلمٍ كانت تفقد في أماكن كثيرةٍ حقوقًا كانت تستحقّها في زواجٍ من مسلم: كحقوق الطلاق، أو حقوق الميراث، أو نفقاتِ الإعالة. ومن وجهة نظر علماء ذلك العصر بدا قريبًا إلى الذهن تحريمُ مثل هذه الزيجات «حمايةً» للنساء من فقدانٍ جسيمٍ للحقوق، وإن كانت هذه «الحماية» نفسُها مطبوعةً بطابعٍ أبويٍّ وصائيٍّ قوي.

والسببُ الرابع هو البنيةُ الهرمية للعلاقة في التقاليد الأبوية، ومنها التقليدُ الإسلامي. ففي هذه التصوّرات يكون للرجل في الزواج سلطةٌ وسيادةٌ أكبر. وفي الوقت نفسه كان من المقرّر في كثيرٍ من التقاليد الفقهية: أنّه لا يجوز لغير المسلم أن تكون له سلطةٌ على مسلم. وإذا كان الزوجُ يُتصوَّر رأسًا للزواج، والمرأةُ تابعةً له دينيًّا، بدا الزواجُ بين مسلمةٍ ورجلٍ غير مسلمٍ غيرَ جائز: إذ لا يجوز له ضمن هذا المنطق أن يمارس سلطةً على زوجته المسلمة.

وأخيرًا، أدّت تصوّراتُ الجنسانية بوصفها فعلَ سلطةٍ دورًا أيضًا. فقد احتجّ بعضُ العلماء بأنّ العلاقات الجنسية بين غير مسلمٍ ومسلمةٍ تُذلّ الإيمانَ الإسلامي. وفُهِمت الجنسانيةُ والإيلاجُ بوصفهما فعلَ هيمنةٍ ذكورية. وحين يُؤوَّل الجنسُ على هذا النحو، يصير جسدُ المسلمة ساحةً تتجلّى فيها السلطةُ الدينية والتبعية.

وتُظهر هذه الأسبابُ مدى ارتباط التحريم بتصوّراتٍ عن المكانة والسلطة والجنس و«حدود الأديان». وهي تفسّر لماذا عدَّ كثيرٌ من العلماء موقفَهم آنذاك متماسكًا. وفي الوقت نفسه تبيّن مدى عُمق تجذّر الأنماط الأبوية والهرمية في هذه المسألة.

لماذا لم تعد كثيرٌ من هذه الأسباب صامدةً اليوم

من المنظور التاريخي يمكن تفهّمُ لماذا عدَّ العلماءُ السابقون التحريمَ معقولًا. غير أنّ هذا لا يعني أنّ أسبابهم يجب أن تظلّ مُلزِمةً إلى الأبد. ففي ألمانيا وفي بلدانٍ أخرى كثيرةٍ توجد اليوم مساواةٌ أمام القانون، بصرف النظر عن الجنس أو الانتماء الديني. وحقوقُ الشريكين محميةٌ قانونًا، حتى في العلاقات غير الزوجية. وفقدانُ الحقوق الذي كان يتهدّد سابقًا لم يعد حجّةً في دولة قانونٍ تؤدّي وظيفتها.

ثمّ إنّنا لم نعد نعيش في مجتمعاتٍ تقرّر فيها العشيرةُ أو «الطائفة الدينية» مصيرَ حياة الأفراد. فالحريةُ الفردية وتقريرُ المصير والمساواة مكاسبُ ينبغي أن نأخذها على محمل الجِدّ. ولذلك يجب أن تُساءَل مساءلةً نقدية تلك الأحكامُ التي تنحدر من نظامٍ قبليٍّ أو من نظامٍ سابقٍ على الحداثة: هل لا تزال تخدم العدالةَ اليوم، أم إنّها تدافع عن بُنًى بالكاد تلائم عوالمَنا المعيشة.

ومن الحُجج الشائعة أنّ المرأة التي تتزوّج غيرَ مسلمٍ سوف تتّبع على الأرجح «دينَه» فتفقد بذلك إيمانها الخاصّ. وهذه الحجّةُ تقوم على صورةٍ إشكاليةٍ عن المرأة. فهي تصوّر النساء غيرَ قادراتٍ على تقرير مصيرهنّ وسهلاتِ التأثّر: فالمرأة لا تستطيع أن تقرّر باستقلالٍ ما هو صوابٌ أو خطأٌ لها، بل تحتاج دائمًا إلى توجيهٍ من غيرها.

وعلى نحوٍ مماثلٍ في الإشكالية تلك الحجّةُ القائلة إنّ الأبناء يتّبعون «تلقائيًّا» دينَ الأب. وهذا التصوّرُ ينحدر من زمنٍ كان يُنظَر فيه إلى النساء قبل كلّ شيءٍ بوصفهنّ آلاتٍ للإنجاب. وكان الأبناءُ يُنسَبون إلى خطّ الأب، ولا يُتصوَّرون أشخاصًا مستقلّين. أمّا في سياقات اليوم فيستطيع الأبناءُ لاحقًا أن يقرّروا بأنفسهم إلى أيّ تقليدٍ يريدون الانتماء. فالوالدان يقدّمان مُحفِّزاتٍ وعروضًا وقُدوات، لكنهما لا يملكان السلطةَ النهائية في تأويل القرارات الداخلية لأبنائهما.

والمسلمون المعارضون للزواج بين مسلمةٍ وغير مسلمٍ كثيرًا ما يستندون إلى إجماع العلماء. يقولون: «أليس المسلمون جميعًا متّفقين على أنّه لا يجوز للمسلمة أن تتزوّج غيرَ مسلم؟» ويمكن أن يُعترَض على هذه الحُجج بأنّ العلماء المسلمين كانوا متّفقين في حالاتٍ أخرى أيضًا: كأن يكون الرقُّ مباحًا، أو أن يجوز للأب أن يُزوّج ابنتَه القاصر، أو أن يجوز للرجل أن يجامع فتاةً صغيرةً جدًّا إن كانت «زوجَه» أو «جاريتَه».

فلماذا تُعامَل مثلُ هذه الإجماعات اليوم معاملةً نسبية، أو يُسكَت عنها، أو — لحسن الحظّ — تُتجاوَز بالقوانين، بينما يُتمسَّك بها في مسائلَ أخرى. وعند النظر الأدقّ يبدو المعيارُ كثيرًا ما يتّصل بسياسات الهوية: فـ«المرأة المسلمة» وجسدُها يصيران سطحًا واسعًا تُسقَط عليه مُثُلٌ ومخاوفُ مختلفة. فما يبدو أنّه يصون «شرفَ» الرجل والتمايزَ وهويةَ الجماعة يُدافَع عنه دفاعًا أشدَّ من الدفاع عن مسائل الحرية والعدالة.

ولستُ أرى أنّ الإجماعات معصومة. فهي لا تكون مُلزِمةً إلّا لمن يعترف بها مُلزِمة. وهناك اليوم علماءُ كثيرون يدعون المسلمين إلى إعادة التفكير في مسألة الزواج بين الأديان. وكثيرٌ من العلماء في تونس مثلًا قد أجازوا مثل هذه الزيجات. وفي التراث كذلك حالاتٌ يمكن فيها أن تبقى المرأةُ المسلمة على زواجها من رجلٍ غير مسلمٍ إذا أسلمت لاحقًا.

ويُروى عن النبيّ أيضًا أنّه اعتبر زواجَ ابنته من زوجها غير المسلم صحيحًا، حتى في الفترة التي لم يكن فيها هذا الزوجُ مسلمًا بعد. وهذه الحالاتُ وما يشبهها تُظهر: أنّ زواجًا كهذا لا يمكن أن يكون حرامًا «في ذاته». فقد قُبِل في تشكيلاتٍ معيّنة، ولم تُستنبَط منه إلّا لاحقًا تحريماتٌ جامدةٌ لكلّ الأوضاع.

النكاح بوصفه عقدًا ودورُ الزواج المدني

لكي نفهم مسألة الزواج فهمًا جيّدًا، يفيد النظرُ الدقيق في مصطلح «النكاح». فهو يُترجَم في الغالب بـ«الزواج» أو «عقد الزواج»، لكنه يحمل في الفهم الفقهي الإسلامي مسحةً خاصة. وبتعبيرٍ أدقّ، النكاحُ هو في المقام الأول عقدٌ يُنظّم العلاقةَ الجنسية بين طرفَي العقد، وتترتّب عليه آثارٌ حقوقيةٌ أخرى، كحقوق النفقة والميراث.

ومهما يكن ذلك مثيرًا لاستغراب كثيرين: فإنّ التقليد الإسلامي الكلاسيكي لا يعرف عقدَ زواجٍ يُجريه طرفٌ ثالث، كما هو معتادٌ مثلًا في المسيحية. فالدخولُ في علاقة نكاحٍ لا يحتاج إلى شخصٍ ثالثٍ يجعلها «صحيحة» تقديسيًّا أو شكليًّا. وفي القلب يقف القبولُ اللفظي للطرفين والإعلانُ العلني عن العلاقة. أمّا الأئمةُ وقاعاتُ المساجد والمراسمُ فهي صورٌ ثقافية، وليست شرطًا للعقد.

وإذن، إذا أرادت امرأةٌ مسلمةٌ أن تتزوّج غيرَ مسلم، فإنّ حضور إمامٍ أو موظّفٍ دينيٍّ ليس ضروريًّا من الناحية القانونية. فمثلُ هذه الأعراف ذاتُ طابعٍ ثقافي، وكثيرًا ما تكون مأخوذةً من «أديانٍ» أخرى. أمّا الصورةُ المحدّدة للعلاقة — أبحفلٍ أم برمزيةٍ دينيةٍ أم من دونهما — فتبقى من حيث المبدأ متروكةً للطرفين.

وفي ألمانيا لا تُعَدّ علاقاتُ النكاح زيجاتٍ معترَفًا بها قانونًا، بل تُعَدّ بالأحرى علاقاتٍ غير زوجية. ولهذا بالذات من المهمّ أن يوضّح الشريكان بصراحةٍ ما يتوقّعه كلٌّ منهما من الآخر، وكيف يريدان تشكيلَ علاقتهما، وما الذي يريانه من تبعاتٍ قانونيةٍ وعاطفية. أمّا الوصايةُ، ولا سيّما تجاه النساء، فلا محلَّ لها هنا.

ومن العبارات النمطية: «الحبُّ أعمى، ولذلك تختار ضدّ دينها»، و«ستندم على ذلك»، و«الرجلُ تلاعب بها». ووراء ذلك تصوّراتٌ وصائية، كأنّ المرأة لا تعرف بنفسها ما تريد، وكأنّه لا يجوز لها أن تخطئ. مع أنّ من جزء الحرية اتّخاذَ القرارات، بما فيها القراراتُ المحفوفةُ بالمخاطر أو التي يُندَم عليها لاحقًا.

والزواجُ المدني في هذا السياق كافٍ تمامًا. ولا يلزم عقدُ زواجٍ إضافيٌّ على يد إمامٍ أو في مسجد. فعقدُ الزواج المدني يحقّق غايةَ عقد النكاح — إذ ينشئ وضوحًا قانونيًّا وحمايةً قانونية. وهو يوفّر فضلًا عن ذلك ضماناتٍ إضافية، كما في حالات الطلاق أو النفقة أو الميراث.

والمهمّ: أنّ النكاح ليس طقسًا ولا عملًا تعبّديًّا، بل عقدٌ يخدم في المقام الأول تأمينَ الحقوق. ومن يدرك ذلك لا يلزمه أن يعقد «زواجَين»، بل يمكنه أن يقبل الزواجَ المدني بوصفه الصورةَ التي تحقّق أهدافَ النكاح. ومن مزايا ذلك ألّا يُعطَى بعضُ الأئمة سلطةً لتخريب مثل هذا العقد أو تعطيله. فالسلطةُ الدينية التي ينسبونها إلى أنفسهم في هذه المسائل لا يمكن إضفاءُ المشروعية عليها بشيء.

تعدّدية المعتقدات وأهلُ الكتاب والسياقاتُ الجديدة

وثمّة حقلٌ آخرُ يخصّ مسألةَ مَن يجوز أصلًا الدخولُ معه في علاقة نكاح. فالقرآن يبيح صراحةً الزواجَ بين رجلٍ مسلمٍ وامرأةٍ مسيحيةٍ أو يهودية. وهذا ما دفع كثيرًا من العلماء إلى ألّا يروا شريكاتِ زواجٍ شرعيّاتٍ إلّا هاتين المجموعتين — أهلَ الكتاب.

غير أنّ هذه القراءة تُغفِل السياق. فالقرآن يذكر المسيحيين واليهود لأنّ مجتمع ذلك العصر في مكة والمدينة كان يعرف هاتين المجموعتين قبل غيرهما ويعيش معهما. أمّا التعاملُ مع العرب المشركين فكان في المقابل محدودًا جدًّا، وكثيرًا ما كان مطبوعًا بالحرب والعداوة. وبالكاد كان معهم جوارٌ مستقرٌّ أو نظامٌ قانونيٌّ مشترك.

أمّا البوذيون والطاويون والملحدون والربوبيون والكونفوشيوسيون فلا ذكرَ لهم في القرآن. والقراءةُ المنزوعةُ من سياقها تؤدّي سريعًا إلى افتراض أنّ المجموعات المذكورة صراحةً وحدَها «مشمولةٌ» معياريًّا، وأنّ كلّ ما لا يُذكَر فهو محرَّمٌ تلقائيًّا. وعلى مدى التاريخ كانت هناك محاولاتٌ لتوسيع مفهوم أهل الكتاب بحيث تندرج تحته جماعاتٌ دينيةٌ أخرى أيضًا.

ولا أرى هذا التوسيعَ ضروريًّا. فليس من اللازم أن يُعاد تأويلُ النصّ تأويلًا مصطنَعًا، لأنّه لا يغطّي وضعَنا تغطيةً كاملةً على أيّ حال. وهذا ليس مشكلةً، بل هو إدراك: فالقرآن يتكلّم من سياقٍ معيّن ويبقى مرتبطًا بهذا السياق. وإنّما تنشأ الإشكاليةُ حين يحاول المرءُ قسرًا أن يُسقِط أوضاعَنا المعاصرة على النصّ، أو أن يُطبّق النصَّ بأيّ ثمنٍ على تشكيلاتنا.

وما دامت حقوقُ الزوجين محميةً وكرامتُهما مكفولةً بموجب دولة القانون، فإنّ العلاقة مشروعةٌ لأنّها قائمةٌ على أُسسٍ عادلة. ولا يملك حقَّ القرار في الدخول في هذه العلاقة أو عدمِه إلّا المعنيّان نفسُهما. فهما وحدهما يعرفان ما يشعران به، وما يرجوانه، وما هو خيرٌ لهما.

تقرير المصير والحقُّ في الخطأ وتحوّلُ العلاقات

لقد آن الأوان للاعتراف للمسلمين بالحقّ في أن يتّخذوا قراراتٍ «خاطئة» أيضًا، من دون أن تُلحِق بهم العائلةُ أو الجماعةُ عارًا. وهذا يصدُق خصوصًا على النساء المسلمات، اللواتي كثيرًا ما يُتوقَّع منهنّ أن يجدن الرجلَ المناسب «من المحاولة الأولى» وأن يبقَين معه. وإذا فشلت علاقة، فقدن في كثيرٍ من الأوساط مكانتَهنّ ويُنظَر إليهنّ بوصفهنّ فاشلات.

أمّا علاقاتُ الرجال فتُقيَّم على نحوٍ آخر. فإذا فشل زواجُهم، لم يكن لذلك في الغالب أثرٌ يُذكَر في مكانتهم داخل العائلة أو الجماعة. وهذه الازدواجيةُ الأخلاقية ليست ظالمةً فحسب، بل تناقض الواقعَ أيضًا. فعلاقاتُ زمننا، شئنا أم أبينا، بالكاد تُقارَن بعلاقات ما قبل قرنٍ، بل بعلاقات ما قبل قرون.

وحاضرُنا مطبوعٌ بعوامل جديدة: الحراكِ، ومساراتِ التعليم الأطول، وتبدّلِ صور الأدوار، وأشكالِ التواصل الرقمية، والهجرةِ، والمجتمعاتِ التعدّدية. ومن الطبيعي اليوم أن يدخل الناسُ في علاقاتٍ عدّةٍ قبل أن يجدوا شراكةً قابلةً للاستمرار. وهذا ليس كارثةً أخلاقية، بل نتيجةٌ لتبدّل مسارات الحياة.

وعلى العائلات المسلمة والمسلمين عمومًا أن يفهموا أنّ لهم أن يُسدوا النصحَ إذا طُلِبت منهم المشورة، لكن ليس لهم حقُّ القرار في علاقات الآخرين. فالزمنُ الذي كانت فيه العشيرةُ والأسرةُ الممتدّة تحدّد مصيرَ الفرد قد ولّى، في سياقات دولة القانون على الأقلّ. والأحكامُ التي تنحدر من تشكيلاتٍ كهذه كثيرًا ما تكون اليوم بلا معنًى، بل ظالمة.

أمّا التخويفُ والتهديدات — كأن يُقال إنّ علاقةً بعينها «غيرُ مباركةٍ من الله»، وكأنّ المرءَ على اتّصالٍ شخصيٍّ دائمٍ بالله، أو أن يُهدَّد بقطع الصلة بالعائلة — فهي أساليبُ تلاعبٍ خاصّةٌ بالمجتمعات القبلية الأبوية. وهذه الأنماطُ أقدمُ من «الأديان» الكبرى نفسِها، وينبغي أن تُعرَف على حقيقتها وتُنتقَد بوصفها كذلك.

وفي النهاية، تؤول مسألةُ ما إذا كان يجوز للمسلمة أن تتزوّج غيرَ مسلمٍ هنا أيضًا إلى أيّ تصوّرٍ نحمله عن الإنسان وعن الله. فإذا أخذنا العدالةَ والكرامةَ وتقريرَ المصير والمسؤوليةَ المتبادلة على محمل الجِدّ، وجب أن نكون مستعدّين أيضًا لإعادة فحص التحريمات القديمة. والزواجُ الذي يحترم فيه الشريكان أحدُهما الآخر، ويكونان فيه محميَّين قانونًا، ويشكّلان علاقتَهما بوعي، ليس من هذا المنظور أقلَّ «قيمةً» لمجرّد أنّه زواجٌ بين أديان.